ابن قيم الجوزية
638
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأحسن ما يحمل عليه كلامه ، أن يقال : قضاء اللّه وقدره وحكمه الكوني ، لا يناقض دينه وشرعه وحكمه الديني . بحيث تقع المدافعة بينهما ، لأن هذا مشيئته الكونية . وهذا إرادته الدينية . وإن كان المرادان قد يتدافعان ويتعارضان لكن من تعظيم كل منهما : أن لا يدافع بالآخر ولا يعارض . فإنهما وصفان للرب تعالى . وأوصافه لا يدافع بعضها ببعض . وإن استعيذ ببعضها من بعض . فالكل منه سبحانه . وهو المعيذ من نفسه بنفسه ، كما قال أعلم الخلق به « أعوذ برضاك من سخطك . وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك . وأعوذ بك منك » فرضاه - وإن أعاذ من سخطه - فإنه لا يبطله ولا يدفعه . وإنما يدفع تعلقه بالمستعيذ . وتعلقه بأعدائه باق غير زائل . فهكذا أمره وقدره سواء . فإن أمره لا يبطل قدره ، ولا قدره يبطل أمره . ولكن يدفع ما قضاه وقدره بما أمر به وأحبه . وهو أيضا من قضائه . فما دفع قضاؤه إلا بقضائه وأمره . فلم يدفع العلم الحكم بل المحكوم به . والعلم والحكم دفعا المحكوم به الذي قدّر دفعه وأمر به . فتأمل هذا . فإنه محض العبودية والمعرفة ، والإيمان بالقدر ، والاستسلام له ، والقيام بالأمر ، والتنفيذ له بالقدر . فما نفّذ المطيع أمر اللّه إلا بقدر اللّه . ولا دفع مقدور اللّه إلّا بقدر اللّه وأمره . وأما قوله « ولا يرضى بعوض » . أي إن صاحب « مشهد الحكم » قد وصل إلى حد لا يطلب معه عوضا . ولا يكون ممن يعبد اللّه بالعوض . فإنه يشاهد جريان حكم اللّه عليه ، وعدم تصرفه في نفسه ، وأن المتصرف فيه حقا هو مالكه الحق . فهو الذي يقيمه ويقعده ، ويقلبه ذات اليمين وذات الشمال . وإنما يطلب العوض من غاب عن الحكم وذهل عنه . وذلك مناف لتعظيمه . فمن تعظيمه : أن لا يرضى العبد بعوض يطلبه بعمله . لأن مشاهدة الحكم وتعظيمه يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوض عليه . فهذا الذي يمكن حمل كلامه عليه من غير خروج عن حقيقة الأمر . واللّه سبحانه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة تعظيم الحق سبحانه . وهو أن لا يجعل دونه سببا ، ولا يرى عليه حقا ، أو ينازع له اختيارا » . هذه الدرجة تتضمن تعظيم الحاكم سبحانه ، صاحب الخلق والأمر ، والتي قبلها تتضمن تعظيم قضائه لا مقضيه ، والأولى : تتضمن تعظيم أمره . وذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء . أحدها « أن لا تجعل دونه سببا » : أي لا تجعل للوصلة إليه سببا غيره . بل هو الذي يوصل عبده إليه ، فلا يوصل إلى اللّه إلا اللّه ، ولا يقرب إليه سواه ، ولا يدني إليه غيره ، ولا يتوصل إلى رضاه إلا به ، فما دل على اللّه إلا اللّه ، ولا هدى إليه سواه ، ولا أدنى إليه غيره ، فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سببا ، فالسبب وسببيته وإيصاله ، كله خلقه وفعله . الثاني « أن لا يرى عليه حقا » . أي لا ترى لأحد من الخلق - لا لك ولا لغيرك - حقا على اللّه ، بل الحق للّه على خلقه ، وفي أثر إسرائيلي أن داود عليه السلام قال : « يا رب ، بحق آبائي عليك . فأوحى اللّه إليه : يا داود